الراغب الأصفهاني

576

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وجد أعرابي البرد فقيل له : هذا لكون الشمس في العقرب ، فقال : لعن اللّه العقرب فإنها مؤذية في الأرض كانت أم في السماء . قال شاعر : قد منع الماء من المسّ * وأمكن الجوّ من الحسّ وقال أبو محمد المطراني : وشتاء يخنق الكلب فلا يعلو هريره * كلّما رام هريرا زمّ فاه زمهريره « 1 » هو من قول الراعي : لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * حتى يلفّ على خرطومه الذنبا قال الرشيد : ما أبلغ بيت في شدة البرد فأنشد هذا البيت بعضهم ، فقال أبلغ منه : وليلة قرّ يصطلي القوس ربّها * وأسهمه اللاتي بها يتنبّل فقال : حسبك ما بعد هذا شيء ، وقال ابن سمعون : البرد بالريّ رافضي ، يقول بالرجعة ، أي متى ذهب رجع . وقيل لأعرابي : أما تجد البرد ؟ قال : لا لأن العري اتصل على بدني فاعتاده كاعتياد وجوهكم . وقيل لآخر : ما أصبرك على البرد . قال : كيف لا يصبر عليه من طعامه الريح وسراجه الشمس وسقفه السماء . حمد البرد في الشتاء قال عروة بن الزبير : خير شتائكم ما اشتد برده ، وخير صيفكم ما اشتد حرّه . وكانوا يستعيذون من الشتاء البارد . وقال الأصمعي : ما وقع طاعون قط في بلد إلا في شتاء سخن أو تعقبه مضرّة البرد . وقال سعيد بن عبد العزيز : البرد عدو للدين . وفي الخبر أن الملائكة لتفرح بذهاب الشتاء لما يدخل في فقراء أمتي . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يتعوّذ من كلب الشتاء . من شكا الفقر والقر صودف أعرابي يتكفّف ويقول : جاء الشتاء ومسنا قرّ * وأصابنا في عيشنا ضرّ ضرّ وفقر نحن بينهما * هذا لعمر أبيكم الشرّ وقيل لشيخ : كيف أنت ؟ قال : خلق في خلق .

--> ( 1 ) هرير الكلب : صوته دون نباح .